خليل الصفدي

9

أعيان العصر وأعوان النصر

وأجلسه قدّامه بدار العدل بقلعة الجبل ، وقرأ قدّامه القصص ، ووقع عليها في الدست ، ورسم له أن يحضر دار العدل في دمشق ، وأن يوقع على القصص بين يدي الأمير سيف الدين تنكز ، فهو أول كاتب سر جلس في دار العدل ، ولم يكن كتّاب السر يجلسون قبل ذلك في الخدمة ، فباشر ذلك . وكان إذا توجه مع نائب الشام إلى مصر يحضره السلطان قدّامه ، ويخلع عليه ، وينعم عليه ، وكان يعجبه شكله كثيرا ، ويقول لألجاي الدوادار : يا الجاي هذا شرف الدين كأنه ولد موقعا ، ويروق له شكله وسمته ، ويعجبه لباسه . فلمّا توجّه مع الأمير سيف الدين تنكز سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، ولاه السلطان كتابة سر مصر ، وجهّز القاضي محيي الدين وأولاده إلى دمشق ، وتوجّه القاضي شرف الدين مع السلطان إلى الحجاز ، ووقع بينه وبين الأمير صلاح الدين الدوادار « 1 » ، وطال النزاع بينهما ، وكثرت المخاصمات ، ودخل الأمير سيف الدين بكتمر الساقي - رحمه اللّه تعالى - بينهما وغيره ، فما أفاد ، فقلق القاضي شرف الدين ، وطلب العودة إلى دمشق ، ولم يقرّ له قرار ، فأعاده السلطان إلى دمشق ، وطلب القاضي محيي الدين وأولاده إلى مصر ، وأقرّهم على ما كانوا عليه . وكانت ولايته كتابة السر بمصر تقدير ثمانية أشهر ، ولما عاد فرح به تنكز ، وقام له وعانقه ، وقال له : مرحبا بمن نحبه ويحبنا ، وأقام بينه وبين حمزة التركماني - الآتي ذكره إن - شاء اللّه تعالى - في حرف الحاء مكانه - ، فأوحى إلى تنكز ما أوحاه من المكر والخديعة والافتراء ، فكتب تنكز إلى السلطان ، فعزله بالقاضي جمال الدين عبد اللّه بن كمال الدين بن الأثير « 2 » ، وبقي في بيته بطالا مدة ، فكتب السلطان إلى تنكز يقول له : إما أن تدعه يوقع قدامك ، وإما أن تجهّزه إلينا ، وإما أن ترتب له ما يكفيه ، فرتّب له ثلاثمائة درهم وثلاث غرائر ، ولما أمسك تنكز رسم السلطان أن يكون موقعا في الدست بدمشق وولده شهاب الدين - المقدم ذكره - كاتب درج ، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك الصالح إسماعيل ، فولاه وكالة بيت المال بالشام مضافا إلى ما بيده ، فأقام في الوكالة سنة أو قريبا منها ، ثم إنه توجّه إلى القدس للوقوف على قرية يشتريها الأمير سيف الدين الملك ؛ ليوقفها على جامعه بالقاهرة ، فتوفي - رحمه اللّه تعالى - فجأة ؛ لأنه دخل إلى بيت الخلا فما خرج منه إلّا إلى سرير البلى .

--> ( 1 ) الأمير صلاح الدين الدوادار هو : يوسف بن أسعد ، أورد له المصنف ترجمة . ( 2 ) انظر : شذرات الذهب : 6 / 257 .